الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
156
مختصر الامثل
« حُرُمات » : جمع « حُرمة » وتعني الشيء الذي يجب حفظه واحترامه ، وقيل للحرم : حرم لأنّه مكان محترم ولا يجوز هتكه ، ويقال الأعمال الممنوعة والقبيحة حرام لهذا السبب ، كي لا تخامر أذهان المشركين فكرة انتهاك حرمة هذه الشهور . ثم تشرّع الآية حكماً عاماً يشمل ما نحن فيه وتقول : « فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » . فالإسلام - وخلافاً للمسيحية الحالية التي تقول ( إذا لطمك شخص على خدّك الأيمن فأدِر له الأيسر ) « 1 » - لا يقول بمثل هذا الحكم المنحرف الذي يبعث على جرأة المعتدي وتطاول الظالم ، وحتّى المسيحيين في هذا الزمان لا يلتزمون مطلقاً بهذا الحكم أيضاً ، ويردون على كل عدوان مهما كان قليلًا بعدوان أشد ، وهذا أيضاً مخالف لدستور الإسلام في الرّد ، فالإسلام يقول : يجب التصدّي للظالم والمعتدي ، ويُعطي الحق للمظلوم والمُعتدى عليه المقابلة بالمثل ، فالاستسلام في منطق الإسلام يعني الموت ، والمقاومة والتصدّي هي الحياة . وقوله تعالى « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » إشارة إلى أنّ اللَّه لا يهمل المتقي في خِضمّ المشكلات ، بل يعينه ويرعاه . وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) هذه الآية تكمّل ما مرّ من آيات الجهاد فكما أنّ الجهاد بحاجة إلى الرجال المخلصين والمجرّبين كذلك بحاجة إلى المال والثروة أي بحاجة إلى الاستعداد البدني والمعنوي والمعدّات الحربية ، صحيح أنّ العامل الحاسم في تقرير مصير الحرب هو الرجال بالدرجة الأولى ، ولكن الجندي بحاجة إلى أدوات الحرب ( أعم من السلاح والأدوات ووسائل النقل والغذاء والوسائل الصحية ) فإنّه بدونها لا يمكنه أن يفعل شيئاً . من هنا أوجب الإسلام تأمين وسائل الجهاد مع الأعداء ، ومن ذلك ما ورد في الآية أعلاه حيث تأمر بصراحة : « وَأَنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » . وهذا المعنى يتأكد خاصة في عصر نزول هذه الآيات حيث كان المسلمون في شوق شديد إلى الجهاد كما يحدّثنا القرآن عن أولئك الّذين أتوا النبي يطلبون منه السلاح ليشاركوا
--> ( 1 ) إنجيل متّى ، الباب 5 ، الرقم 39 - 42 .